Rate this post

زوجي كذب عليّ بشأن عمله… لكن الحقيقة كانت أبشع مما تخيلت!

الجزء الاول
زوجي كذب عليّ بشأن عمله… لكن الحقيقة كانت أبشع مما تخيلت!

في صباح يوم عادي، أخذتُ علبة الدواء التي نسيها زوجي فوق الطاولة، وقررت أن أذهب بها إلى مكتبه بنفسي. كنت أظن أنني سأفاجئه بلفتة صغيرة تسعده، لكنني لم أتخيل أن تلك الزيارة ستقلب حياتي رأسًا على عقب.

ما إن وصلت إلى الشركة، حتى توجهت إلى موظفة الاستقبال وقلت بابتسامة:
«لو سمحتِ، ممكن تبلغي أستاذ آدم إن زوجته هنا؟ لقد نسي دواءه في المنزل».

رفعت الموظفة عينيها نحوي، ثم عقدت حاجبيها وكأنها تحاول فهم ما أقول. وبعد لحظات من الصمت، سألتني بحذر:
«حضرتك زوجة الأستاذ آدم؟»

أجبتها باستغراب:
«أيوه، في حاجة؟»

ترددت قليلًا قبل أن تقول:
«أنا آسفة، بس أستاذ آدم مش موجود في الشركة من يوم الأحد اللي فات. هو في إجازة لمدة أسبوع، على حد علمي».

شعرت وكأن الأرض انسحبت من تحت قدمي.

اليوم كان الخميس، وفي صباح اليوم نفسه، ودّعني آدم كعادته، وارتدى ساعته، وحمل حقيبته، ثم خرج من المنزل قائلًا:
«عندي يوم طويل النهارده، متستنيش الغدا».

أربع ساعات كاملة مرت منذ خروجه، والآن تخبرني هذه المرأة أنه لم يدخل مكتبه منذ خمسة أيام!

حاولت أن أبدو طبيعية، فسألتها:
«ممكن يكون عنده اجتماع خارج الشركة؟»

أجابت وهي تنظر إلى شاشة الحاسوب أمامها:
«ممكن، بس الغريب إنه سلّم بعض مهامه لزميله قبل الإجازة، وقال إنه مش هيكون متاح طول الأسبوع».

شعرت ببرودة تسري في أطرافي. لم يكن الأمر مجرد تأخير في العمل، بل كذبة كاملة نسجها زوجي بإتقان، بينما كنت أصدقه دون تردد.

شكرتها وغادرت، لكنني لم أعد إلى المنزل مباشرة. جلست داخل سيارتي أمام الشركة، أحدق في علبة الدواء الموضوعة بجانبي، وأحاول أن أجد تفسيرًا واحدًا يجعل كل ما سمعته منطقيًا.

هل يخونني آدم؟
هل هناك امرأة أخرى في حياته؟
أم أنه يخفي عني شيئًا أكبر بكثير؟

كنت أرفض تصديق الفكرة الأولى، فقد عشنا معًا سبع سنوات، ولم يمنحني طوالها سببًا واضحًا يجعلني أشك فيه. كان زوجًا هادئًا، يهتم بتفاصيل حياتنا، ولا ينسى أبدًا أن يسألني إن كنت قد تناولت طعامي.

لكنني تذكرت فجأة شيئًا غريبًا حدث قبل أسبوع.

في تلك الليلة، استيقظت على صوت هاتفه يهتز فوق الكومودينو. مددت يدي لأوقظه، لكنه انتزع الهاتف بسرعة قبل أن ألمسه، ثم خرج إلى الشرفة وأغلق الباب خلفه.

وعندما عاد، سألته عمن اتصل به في هذا الوقت المتأخر، فضحك وقال:
«شغل يا حبيبتي، إنتِ عارفة إن الفترة دي ضغط في الشركة».

صدقته يومها، بل شعرت بالذنب لأنني شككت فيه للحظة.

أما الآن، فقد بدأت كل التفاصيل الصغيرة تتجمع في رأسي كقطع أحجية مخيفة.

قررت ألا أواجهه قبل أن أعرف الحقيقة.

عدت إلى المنزل، وأعددت الغداء كأن شيئًا لم يحدث. وعندما دخل آدم مساءً، استقبلته بابتسامتي المعتادة.

وضع حقيبته، ثم اقترب مني وقبّل جبيني قائلًا:
«وحشتيني النهارده».

نظرت إلى عينيه طويلًا، وسألته بهدوء:
«كان يومك عامل إيه؟»

لم يتردد حتى ثانية واحدة.
«متعب جدًا. المدير طلب مني أخلص شوية ملفات قبل نهاية الأسبوع».

ابتسمت وقلت:
«ربنا يعينك».

في تلك اللحظة، أدركت أن الرجل الذي أمامي لم يكن يكذب للمرة الأولى، بل كان يعرف كيف يفعل ذلك دون أن يرتجف صوته أو تتغير ملامحه.

انتظرت حتى نام، ثم دخلت غرفة المعيشة وأخذت هاتفه الذي تركه على الطاولة. لم أكن أعرف كلمة مروره، لكنني تذكرت أنه غيّرها منذ شهر، في اليوم نفسه الذي بدأ فيه يتأخر عن المنزل بصورة ملحوظة.

حاولت عدة مرات، حتى ظهر إشعار على الشاشة من رقم غير مسجل.

كانت الرسالة قصيرة، لكنها جعلت قلبي يتوقف للحظة:

«هي لسه متعرفش إنك بتيجي هنا كل يوم؟ لازم تقولها قبل ما الموضوع يكبر أكتر من كده».

تجمدت أصابعي فوق الهاتف.

من هي صاحبة الرسالة؟
وإلى أين يذهب زوجي كل صباح طوال الأسبوع؟

كدت أوقظ آدم وأضع الهاتف أمامه، لكنني تراجعت في اللحظة الأخيرة. كنت بحاجة إلى إجابة، لا إلى كذبة جديدة.

في صباح اليوم التالي، انتظرت خروجه من المنزل، ثم تبعته بسيارتي من مسافة بعيدة.

لم يتجه إلى الشركة.

قاد سيارته عبر عدة شوارع، وتوقف أمام مبنى قديم في حي لم أزره من قبل. نزل وهو يحمل حقيبته، ثم دخل من البوابة الحديدية دون أن يلتفت خلفه.

انتظرت دقائق، وبعدها ترجّلت من سيارتي وتوجهت نحو البوابة.

كان هناك جرس صغير بجوار الباب، وأسفله ورقة مكتوب عليها اسم المكان.

قرأت الكلمات مرة، ثم أعدت قراءتها وأنا أشعر بأن ركبتيّ لم تعودا تحملانني.

لم يكن المكان فندقًا، ولا مكتبًا، ولا منزل امرأة كما توقعت.

كان مركزًا طبيًا متخصصًا، وعلى الباب الداخلي صورة لرجل مسنّ أعرف ملامحه جيدًا.

إنه والد آدم، الرجل الذي أخبرني زوجي أنه توفي قبل ثلاث سنوات!

تراجعت خطوة إلى الوراء، ووضعت يدي على فمي كي لا أصرخ.

كيف يمكن أن يكون والده حيًا؟ ولماذا أخفى عني هذا السر طوال تلك السنوات؟

وقبل أن أستوعب ما أراه، فُتح الباب فجأة، وخرجت منه امرأة في منتصف الثلاثينيات تحمل ملفًا طبيًا.

نظرت إليّ للحظات، ثم اتسعت عيناها بدهشة واضحة.

قالت بصوت مرتجف:
«إنتِ آية؟ زوجة آدم؟»

لم أستطع الرد.

اقتربت مني، وأمسكت بذراعي، ثم قالت جملة واحدة جعلتني أشعر أن كل ما اكتشفته حتى الآن لم يكن سوى بداية الكارثة:

«الحمد لله إنك جيتي بنفسك… لأن آدم كان ناوي يخبي عنك الحقيقة لحد ما يفوت الأوان، وفي حاجة لازم تعرفيها عن جوازكم قبل ما ترجعي البيت».

ثم التفتت نحو باب المركز، وكأنها تخشى أن يسمعها أحد، وهمست:

«بس قبل ما أقولك، لازم تشوفي بنفسك مين الشخص اللي مستنيكي جوه… لأن وجوده هنا هو السبب الحقيقي وراء كل كذبة قالهالك جوزك».

يتبع…

برأيك، مين الشخص اللي هتقابله آية جوه المركز؟ وإيه السر اللي ممكن يخلي آدم يخفي حقيقة والده وزياراته طوال السنين دي؟

الجزء الثاني
في المطبخ، وبينما كنت أُعدّ فنجان القهوة الصباحي، وقعت عيناي على علبة الدواء الموضوعة بجوار ماكينة القهوة.

كان آدم قد نسيها مرة أخرى!

تنهدت وأنا ألتقطها، ثم نظرت إلى الساعة. كان لا يزال بإمكاني اللحاق به قبل أن ينشغل في عمله. وبما أن مكتبه يقع في طريقي، قررت أن أوصل الدواء إليه بنفسي.

وفي الطريق، توقفت عند المقهى الذي يفضله، وطلبت له قهوته المعتادة. تخيلت ابتسامته عندما يراني أمامه حاملة الدواء وكوب القهوة، وشعرت بسعادة صغيرة لأنني سأفاجئه بشيء لطيف وسط يومه المزدحم.

لم يخطر ببالي للحظة أن هذه الزيارة البسيطة ستكون بداية اكتشاف سر أخفاه عني زوجي طوال أيام.

عندما دخلت مبنى الشركة، بدا كل شيء طبيعيًا. كان الموظفون يتنقلون بين المكاتب، والهواتف ترن باستمرار، وأصوات المحادثات تتردد في المكان.

توجهت إلى مكتب الاستقبال، وقلت للموظفة بابتسامة:
«صباح الخير، أنا زوجة آدم. هو نسي دواءه في البيت، ومعايا له القهوة اللي بيحبها. ممكن تبلغيه إني مستنياه؟»

ابتسمت الموظفة بأدب، ثم بدأت تبحث في الحاسوب أمامها. لكن بعد ثوانٍ، توقفت أصابعها عن الحركة، وتغيرت ملامحها قليلًا.

راجعت الشاشة مرة أخرى، ثم رفعت عينيها نحوي بتردد.

قالت:
«أنا آسفة يا مدام، بس الأستاذ آدم مش موجود في المكتب».

لم أشعر بالقلق في البداية، فربما كان في اجتماع خارج الشركة.

سألتها ببساطة:
«طيب، هو خرج لاجتماع؟ ممكن أعرف هيرجع إمتى؟»

بدت وكأنها تبحث عن الكلمات المناسبة قبل أن تجيب:
«الحقيقة، حسب جدول العمل عندنا، الأستاذ آدم في إجازة من أول الأسبوع، ومش المفروض يرجع قبل الأسبوع الجاي».

تجمدت ابتسامتي على وجهي.

«إجازة؟! إنتِ متأكدة؟»

أدارت الشاشة قليلًا لتتأكد من البيانات، ثم قالت:
«أيوه يا فندم، الإجازة متسجلة من يوم الأحد».

شعرت للحظة أنني لم أفهم ما تقوله. كيف يكون آدم في إجازة منذ خمسة أيام، بينما يخرج كل صباح من منزلنا مرتديًا ملابس العمل، ويحمل حاسوبه المحمول، ويخبرني أنه سيتأخر بسبب الاجتماعات؟

شكرتها بصوت لم أتعرف إليه، ثم استدرت نحو الباب قبل أن تلاحظ ارتباكي.

وبمجرد وصولي إلى سيارتي، وضعت كيس القهوة وعلبة الدواء على المقعد المجاور، وظللت أحدق فيهما دون حراك.

لم يكن الأمر مجرد كذبة عابرة.

خمسة أيام كاملة، كان زوجي يغادر المنزل في الموعد نفسه، ويعود في المساء مرهقًا، ويقص عليّ تفاصيل يومه كما لو أنه قضاه فعلًا بين زملائه في الشركة.

كان يحدثني عن الاجتماعات الطويلة، والمدير الذي لا يتوقف عن طلب التعديلات، والمواعيد النهائية التي تلاحقه. بل إنه أخبرني قبل يومين أنه اضطر إلى البقاء بعد انتهاء الدوام لإنهاء عرض تقديمي مهم.

كيف استطاع اختلاق كل هذه التفاصيل دون أن يتناقض مع نفسه مرة واحدة؟

أخرجت هاتفي، وفتحت محادثتنا الأخيرة. كانت رسالته في الصباح لا تزال أمامي:

«متنسيش تفطري يا حبيبتي، عندي يوم طويل النهارده، وهتأخر شوية».

قرأت الرسالة مرارًا، ثم أغلقت الهاتف بعصبية.

كان يعرف أنني سأصدقه. وربما كان هذا أكثر ما يؤلمني.

حاولت إقناع نفسي بأن هناك تفسيرًا منطقيًا. ربما كُلّف بعمل خارج الشركة، أو اضطر إلى مساعدة أحد أقاربه، أو كان يخفي عني مفاجأة.

لكن لماذا لم يخبرني؟ ولماذا يختلق قصة كاملة كل يوم بدلًا من أن يقول الحقيقة؟

وفجأة، تذكرت أمرًا حدث قبل أيام.

في ليلة الأحد، عاد آدم إلى المنزل متأخرًا، وكانت ملابسه تحمل رائحة عطر غريب لم أعتدها منه. وعندما سألته عنها، قال إن أحد زملائه رش العطر داخل السيارة، ثم انتقل سريعًا إلى الحديث عن مشكلة حدثت في العمل.

يومها لم أهتم كثيرًا. أما الآن، فقد عادت تلك الذكرى إلى ذهني بصورة مزعجة.

هل كانت هناك امرأة أخرى؟

ضغطت على يديّ فوق عجلة القيادة، أحاول منع نفسي من القفز إلى أسوأ الاحتمالات. لم أرد أن أظلمه، لكنني أيضًا لم أستطع تجاهل ما اكتشفته.

قررت أن أعود إلى المنزل وأتصرف بصورة طبيعية حتى أعرف الحقيقة بنفسي.

عندما دخلت، وضعت الدواء في مكانه، وألقيت نظرة على غرفة النوم. كانت خزانة آدم مغلقة، لكنني لاحظت أن حقيبته الصغيرة، التي كان يحتفظ بها عادة في الرف العلوي، لم تكن في مكانها.

تذكرت أنه قال لي الأسبوع الماضي إنه لن يحتاج إليها قريبًا.

فتحت الخزانة، وبدأت أبحث بهدوء بين أغراضه. لم أجد شيئًا غير عادي في البداية، حتى وقعت يدي على إيصال مطوي داخل جيب معطف قديم.

كان الإيصال صادرًا عن موقف سيارات في منطقة بعيدة عن مقر شركته، ومؤرخًا بأيام الأسبوع الخمسة الماضية.

تأملت التواريخ، ثم أعدت النظر فيها.

كان آدم يذهب إلى المكان نفسه كل يوم، ويقضي هناك عدة ساعات، ثم يعود إلى المنزل في الموعد الذي اعتدت عليه.

لكن لماذا يذهب إلى هناك؟ وما الذي يستدعي تكرار الزيارة يوميًا؟

قلبت الإيصال، فوجدت رقم هاتف مكتوبًا بخط اليد، وتحته كلمة واحدة:

«سلمى».

لم يكن هذا اسم زميلة سمعت آدم يتحدث عنها من قبل، ولم أعرف امرأة بهذا الاسم من أصدقائه المقربين.

شعرت بأنني أقترب من إجابة، لكنني كنت أخشى في الوقت نفسه ما قد تكشفه لي.

انتظرت حتى المساء، وعندما عاد آدم، استقبلته كعادتي، وسألته عن يومه.

خلع ساعته ووضع هاتفه على الطاولة، ثم تنهد قائلًا:
«يوم مرهق جدًا. المدير كان مصمم يغيّر كل حاجة في العرض التقديمي».

نظرت إليه وأنا أحاول قراءة ملامحه.

كيف يمكن لشخص أن يكذب بهذه السهولة على المرأة التي تشاركه بيته وحياته؟

ابتسمت وقلت:
«ربنا يعينك. بالمناسبة، كنت في الشركة النهارده».

توقفت يده عن الحركة للحظة قصيرة، ثم رفع رأسه نحوي.

«الشركة؟ ليه؟»

قلت بهدوء:
«كنت جاية أوصلك الدواء والقهوة، بس موظفة الاستقبال قالت لي إنك في إجازة من أول الأسبوع».

ساد الصمت بيننا.

لأول مرة منذ سنوات، رأيت الارتباك يظهر بوضوح على وجه آدم. حاول أن يخفيه، ثم ضحك ضحكة قصيرة لم تصل إلى عينيه.

«آه، صح! نسيت أقولك. كنت واخد إجازة، بس اضطريت أخلص شوية حاجات بره الشركة».

سألته مباشرة:
«خمس أيام كاملة؟ وكل يوم تخرج الصبح وتقول لي إنك رايح الشغل؟»

اختفت ابتسامته.

ظل ينظر إليّ عدة ثوانٍ، ثم قال بنبرة حادة لم أعتدها منه:
«إنتِ بتفتشي ورايا يا آية؟»

لم أجب فورًا. لم أكن أتوقع أن يحاول تحويل الأمر إلى اتهام ضدي بدلًا من أن يشرح لي سبب كذبه.

قلت:
«أنا مش بفتش وراك. أنا بس عايزة أفهم جوزي بيكدب عليّ ليه».

أشاح بوجهه، وأخذ هاتفه من على الطاولة، ثم دخل غرفة النوم وأغلق الباب خلفه.

تلك الليلة، لم أنم تقريبًا. كنت أسمع صوته يتحدث عبر الهاتف بصوت منخفض، وكلما اقتربت من الباب، توقف عن الكلام.

وفي الصباح التالي، كرر عادته نفسها. ارتدى ملابسه، وحمل حقيبته، وقبّل جبيني قبل أن يغادر.

لكنه ارتكب خطأ صغيرًا هذه المرة.

ترك هاتفه القديم داخل درج المكتب.

انتظرت حتى ابتعدت سيارته عن المنزل، ثم فتحت الدرج. كان الهاتف مغلقًا، لكنني تمكنت من تشغيله بعد العثور على الشاحن.

لم أكن أبحث عن رسائل غرامية، بل عن إجابة واحدة تفسر لماذا يعيش زوجي حياة أخرى بعيدًا عني.

وبعد دقائق من البحث، وجدت محادثة محفوظة مع رقم مسجل باسم «سلمى».

كانت الرسائل قديمة وحديثة، وبعضها يعود إلى ما قبل زواجنا بأشهر قليلة.

لكن رسالة واحدة، أُرسلت قبل ثلاثة أيام فقط، جعلت الدم يتجمد في عروقي:

«آدم، مش هقدر أستنى أكتر من كده. لازم آية تعرف الحقيقة، خصوصًا بعد اللي حصل المرة اللي فاتت. لو فضلت ساكت، أنا اللي هروح لها بنفسي».

وضعت الهاتف على المكتب، وشعرت أنني لم أعد قادرة على التنفس بصورة طبيعية.

ما الحقيقة التي تهدد هذه المرأة بكشفها؟ وما الذي حدث في المرة السابقة؟

وقبل أن أتمكن من فتح بقية المحادثة، وصل إشعار برسالة جديدة من سلمى:

«أنا قدام بيتكم دلوقتي. لو آدم مش هيقول لها، أنا هقول لها بنفسي».

رفعت رأسي نحو النافذة، فرأيت سيارة سوداء تتوقف أمام المنزل.

نزلت منها امرأة لم أرها في حياتي من قبل، ثم رفعت عينيها مباشرة نحو نافذتي، وكأنها تعرف تمامًا أين أقف.

رن جرس الباب.

وعندما فتحته، نظرت إليّ المرأة طويلًا، ثم قالت بصوت مرتجف:

«إنتِ آية؟ أنا سلمى… وفي حاجة لازم تعرفيها عن آدم. بس قبل ما أحكي لك، لازم أسألك سؤال واحد».

توقفت لحظة، ثم سألتني:

«هو آدم قال لك قبل كده إنكم اتجوزتوا ليه؟»

لم أفهم ما تقصده. كدت أطلب منها الدخول، لكنها أخرجت من حقيبتها صورة قديمة، ومدّتها نحوي.

كانت الصورة لآدم، يقف بجوارها أمام المستشفى، ويحمل بين ذراعيه طفلًا صغيرًا.

وعلى ظهر الصورة، كان هناك تاريخ يعود إلى ما قبل زواجنا بعام كامل.

نظرت إليها غير قادرة على الكلام، بينما قالت سلمى:

«الطفل ده مش ابني يا آية… ده ابن آدم. وفي سبب أخطر بكتير من وجوده هو اللي خلاه يخبي عنك كل حاجة».

ثم نظرت خلفها نحو الشارع، وأضافت بصوت خافت:

«بس لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة، لازم نتحرك دلوقتي… لأن آدم رايح المكان اللي فيه ابنه، ومش عايزك تعرفي إنه لسه عايش».

يتبع…

تفتكروا سلمى بتقول الحقيقة، ولا دي خطة عشان تدمّر جواز آية؟ وليه آدم مخبي عنها ابنه كل السنين دي؟

الجزء الثالث
كان آدم قد أخبرني أيضًا عن عرض تقديمي صعب، زاعمًا أنه قضى ساعات طويلة في إعداده لرئيسه. لكن وفقًا لموظفة الاستقبال، لم يكن قد دخل الشركة طوال الأسبوع!

لم يذهب يوم الأحد، ولا الاثنين، ولا الثلاثاء، ولا أي يوم آخر.

إذًا، أين كان يقضي كل هذه الساعات؟ ولماذا اختار أن يختلق حياة عمل كاملة بينما كان يفعل شيئًا آخر في الخفاء؟

كنت متزوجة من آدم منذ أحد عشر عامًا. أحد عشر عامًا من الذكريات المشتركة، والإجازات العائلية، وأعياد الميلاد، والليالي التي كنا نجلس فيها معًا نتحدث عن أحلامنا للمستقبل. مررنا بأوقات صعبة، واختلفنا أحيانًا، لكنني كنت أعتقد أن هناك شيئًا واحدًا لا يمكن أن يتزعزع بيننا: الثقة.

لم أفتش هاتفه يومًا، ولم أطلب منه إثباتًا على المكان الذي يذهب إليه، ولم أكن من النساء اللواتي يتصلن بأزواجهن كل ساعة للتأكد من مكانهم.

كنت أراه زوجًا صادقًا، وأشعر بالأمان معه.

ولهذا السبب تحديدًا، كانت كلمات موظفة الاستقبال أشد إيلامًا مما توقعت. لم يكن ما أخافني هو احتمال وجود امرأة أخرى فحسب، بل اكتشافي أن الرجل الذي عشت معه كل هذه السنوات قادر على إخفاء شيء عني بهذه السهولة.

جلست داخل سيارتي أمام الشركة، وعلبة الدواء وكوب القهوة اللذان أحضرتهما له لا يزالان بجواري.

نظرت إلى القهوة التي بدأت تبرد، وتذكرت كيف كنت أتخيل ابتسامته عندما أراه. شعرت بسخرية مريرة؛ فقد خرجت من منزلي لأمنحه لفتة حب صغيرة، وعدت وأنا أتساءل إن كان الحب الذي منحته إياه طوال أحد عشر عامًا قد جعلني عمياء عن حقيقة لا أريد رؤيتها.

أخرجت هاتفي واتصلت به.

رن الهاتف مرتين، ثم أجاب بصوته المعتاد:
«صباح الخير يا حبيبتي، في حاجة؟ أنا مشغول شوية».

أغمضت عيني للحظة، وحاولت أن أجعل صوتي طبيعيًا.

«لا، كنت بس عايزة أطمن عليك. وصلت الشغل؟»

أجاب دون تردد:
«أيوه، وصلت من شوية. عندي اجتماع مهم، فممكن أتأخر النهارده».

شعرت بشيء ينكسر داخلي.

كان يكذب عليّ في اللحظة نفسها التي أتحدث إليه فيها، بينما كنت أجلس على بعد دقائق من مكتبه، وقد عرفت للتو أنه لم يذهب إليه أصلًا.

لم أواجهه. اكتفيت بأن قلت:
«ماشي، ربنا معاك».

ثم أنهيت المكالمة.

لكن قبل أن أضع الهاتف، لاحظت رسالة جديدة وصلت من رقم غير مسجل.

كانت رسالة قصيرة، بلا اسم أو صورة شخصية:

«زي ما اتفقنا، هكون مستنياك النهارده الساعة اتنين. متنساش تجيب الملف معاك، ومش عايزة أي تأخير المرة دي».

قرأت الرسالة أكثر من مرة.

هل كانت هذه هي المرأة التي يخفيها عني؟ أم أن الأمر يتعلق بشيء آخر؟

كدت أتصل بالرقم، لكنني تراجعت. لم أكن أريد أن أمنحه فرصة أخرى لإخفاء الحقيقة أو تغيير خطته قبل أن أعرف ما الذي يحدث.

قررت أن أتبعه.

انتظرت في سيارتي حتى رأيت سيارته تخرج من الشارع الجانبي المؤدي إلى موقف السيارات. كان يرتدي قميصه الأزرق الذي ارتداه صباحًا، ويحمل حقيبته السوداء نفسها، وكأنه خرج لتوه من اجتماع عمل.

انطلقت خلفه على مسافة آمنة.

لم يتجه إلى وسط المدينة حيث تقع شركته، بل سلك طريقًا طويلًا نحو حي هادئ لم أعتد الذهاب إليه. توقف أمام مبنى من ثلاثة طوابق، ونزل من السيارة بعد أن تفقد هاتفه.

راقبته وهو يدخل من البوابة، ثم اختفى خلف الباب الزجاجي.

انتظرت نحو عشر دقائق، أحاول إقناع نفسي بأنني ربما أسأت فهم الموقف كله. ربما كان المبنى تابعًا لشركة أخرى، أو ربما كان يشارك في مشروع سري لم يخبرني عنه بعد.

لكن عندما خرجت امرأة من الباب نفسه، وألقت نظرة سريعة حولها قبل أن تعود إلى الداخل، شعرت بقلبي يخفق بعنف.

لم أستطع رؤية وجهها بوضوح، لكنني لاحظت أنها كانت تحمل ملفًا بنيًا يشبه الملفات التي كان آدم يحتفظ بها في حقيبته.

فتحت هاتفي، ونظرت إلى الرسالة مرة أخرى. كانت الساعة تقترب من الثانية.

تذكرت عبارة «متنساش تجيب الملف معاك»، وفجأة أدركت أن وجوده في هذا المكان لم يكن أمرًا عابرًا. لقد جاء إلى هنا مرات عديدة، وكانت هناك مواعيد محددة وأشخاص ينتظرونه.

لكن ما الذي يجمع زوجي بهذا المبنى؟

ترجلت من سيارتي، وتوجهت إلى البوابة. كان هناك مكتب استقبال صغير، وخلفه رجل مسنّ يرتدي نظارة طبية.

سألته بحذر:
«لو سمحت، أنا بدور على الأستاذ آدم. ممكن أعرف هو في أنهي مكتب؟»

رفع الرجل رأسه، ثم نظر إليّ باستغراب.

«الأستاذ آدم؟ هو حضرتك قريبة منه؟»

ترددت لحظة قبل أن أجيب:
«أنا زوجته».

تغيرت ملامحه على نحو أربكني. نظر خلفه نحو الممر، ثم عاد ينظر إليّ، وكأنه يحاول اتخاذ قرار صعب.

قال أخيرًا:
«حضرتك زوجته؟ غريبة… هو قال لنا إنكم منفصلين من فترة».

شعرت بأن الكلمات خرجت من فمه ببطء شديد، بينما كنت أحاول استيعاب معناها.

منفصلين؟

كيف يقول للناس إننا منفصلان، بينما يعود كل ليلة إلى منزلنا، وينام بجواري، ويخطط معي لقضاء إجازتنا القادمة؟

فتحت فمي لأجيبه، لكن صوتًا جاء من نهاية الممر أوقفني.

كان صوت آدم.

قال بوضوح:
«أنا مش عايزها تعرف أي حاجة عن الموضوع ده. لو عرفت، كل اللي عملناه هينهار».

ثم ساد الصمت.

لم يكن يعرف أنني أقف على بعد خطوات منه.

تراجعت بسرعة خلف أحد الجدران، وأحسست بأن يديّ ترتجفان. بعد لحظات، سمعت صوت امرأة ترد عليه:

«إنت مش هتقدر تفضل تخبي عنها طول العمر يا آدم. خصوصًا بعد اللي حصل الأسبوع اللي فات».

أجابها بنبرة غاضبة:
«أنا عارف هتصرف إزاي. المهم دلوقتي إن محدش يقول لها أي حاجة».

لم أعد أستطيع البقاء في مكاني. كنت على وشك الخروج ومواجهته، لكن المرأة قالت جملة جعلتني أتجمد تمامًا:

«طيب، وإيه اللي هنعمله في ابنك؟ هو بدأ يسأل عنك، ومش فاهم ليه بتجيله كل يوم من غير ما تقول له إنك أبوه».

شعرت بأن الهواء اختفى من حولي.

ابنه؟

كان آدم قد أخبرني طوال سنوات زواجنا أنه لا يستطيع الإنجاب، وأننا سنحتاج إلى وقت طويل قبل أن نفكر في أي خطوة جديدة. وقد عشنا مع هذا الأمر بكل ما حمله من حزن وأمل، ولم يخطر ببالي يومًا أن يكون هناك طفل في حياته لم يخبرني عنه.

وضعت يدي على فمي حتى لا يصدر عني أي صوت.

وفي تلك اللحظة، خرج طفل صغير من إحدى الغرف، يحمل سيارة لعبة حمراء. كان في نحو السابعة من عمره، وله عينان تشبهان عيني آدم بصورة مؤلمة.

ركض الطفل نحو الرجل الذي كان يقف في نهاية الممر، وتعلق بيده قائلًا بفرح:

«بابا، إنت وعدتني النهارده إنك هتقول لماما الجديدة إني ابنك! هي هتيجي تشوفني إمتى؟»

انحنى آدم أمامه، ونظر إليه بحنان لم أره في عينيه منذ وقت طويل.

ثم قال:
«قريب يا حبيبي، قريب جدًا».

تراجعت إلى الخلف، وكدت أسقط من شدة الصدمة.

لم يكن الأمر مجرد كذبة عن العمل، ولا حتى مجرد علاقة سرية. كان هناك طفل، وحياة كاملة، وامرأة أخرى تعرف عن زوجي أكثر مما أعرف أنا.

لكن السؤال الذي كان يمزق رأسي لم يكن عن الطفل وحده.

إذا كان هذا ابنه فعلًا، فمن تكون أمه؟ ولماذا كان آدم يخفي وجوده عني طوال هذه السنوات؟

وقبل أن أتمكن من مغادرة المكان، سمعت خطوات تقترب من خلفي.

التفتُّ بسرعة، فوجدت المرأة التي كانت تتحدث معه تقف أمامي مباشرة. نظرت إلى وجهي، ثم إلى الباب الذي يقف خلفه آدم، وأدركت أنني سمعت كل شيء.

لم تبدُ خائفة أو مرتبكة كما توقعت، بل تنهدت وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ وقت طويل.

ثم قالت بهدوء:
«بما إنك وصلتي لحد هنا، يبقى لازم تعرفي الحقيقة كلها. لكن فيه حاجة آدم ما قالهاش للطفل، ولا قالها لي أنا كمان… حاجة تخصك إنتِ شخصيًا».

مدت يدها إلى الملف البني الذي كانت تحمله، وأخرجت منه ورقة قديمة.

عندما رأيت اسمي مكتوبًا أعلى الورقة، شعرت بأن قلبي توقف للحظة.

كان تاريخها يعود إلى ما قبل زواجي من آدم بشهور قليلة.

رفعت المرأة عينيها إليّ وقالت:

«آدم ما اختاركيش زوجة بالصدفة يا آية… هو كان عارف عنك حاجة من أول يوم شافك فيه، والحاجة دي هي السبب الحقيقي وراء جوازكم».

وفي اللحظة نفسها، فُتح باب الغرفة خلفها، وظهر آدم.

نظر إليّ، ثم إلى الورقة في يد المرأة، وتغير وجهه تمامًا.

ولأول مرة منذ أحد عشر عامًا، رأيته خائفًا حقًا.

قال بصوت مرتجف:
«آية… إنتِ هنا ليه؟»

لم أجب.

كنت أحدق في الورقة، وفي ذهني سؤال واحد:

ماذا كان يعرف آدم عني قبل أن يتزوجني؟ وهل كانت السنوات الإحدى عشرة التي عشناها معًا مبنية على حب حقيقي… أم على سر لم أكن أعرف حتى أنني جزء منه؟

يتبع…

الجزء الرابع
ولهذا السبب تحديدًا، أخافتني كلمات موظفة الاستقبال إلى هذا الحد.

أخرجت هاتفي، وكنت على وشك الاتصال بآدم. أردت أن أسأله أين هو، ولماذا حصل على إجازة دون أن يخبرني، ولماذا يخرج من المنزل كل صباح متظاهرًا بأنه ذاهب إلى العمل.

لكنني توقفت في اللحظة الأخيرة.

إذا كان زوجي قادرًا على إخفاء هذا السر عني طوال أسبوع كامل، فهل سيمنحني سؤال مباشر إجابة صادقة؟ أم أنه سيختلق كذبة جديدة، ويجعلني أشعر بأنني المخطئة لمجرد أنني شككت فيه؟

ظللت أحدق في الشاشة لثوانٍ، ثم قررت أن أختبره دون أن أكشف ما عرفته.

كتبت له:

«حبيبي، إنت نسيت دواءك في البيت. كنت جاية أوصلهولك، بس ملقتكش في المكتب».

لم تمر سوى لحظات حتى وصل رده:

«أنا مضغوط جدًا النهارده يا حبيبتي، عندي اجتماعات كتير. خلي الدواء مكانه، هاخده لما أرجع بالليل».

قرأت الرسالة مرة، ثم أعدت قراءتها.

كان يتحدث عن الاجتماعات بكل ثقة، وكأنني لم أكتشف للتو أنه لم يذهب إلى الشركة طوال الأسبوع!

شعرت بانقباض مؤلم في معدتي. لم يعد بإمكاني إقناع نفسي بأن موظفة الاستقبال أخطأت، أو أن هناك سوء تفاهم بسيطًا. آدم لم يكتفِ بإخفاء مكانه عني، بل كان يواصل الكذب حتى بعد أن منحته فرصة ليقول الحقيقة من تلقاء نفسه.

وضعت الهاتف جانبًا، وحدقت من خلال الزجاج الأمامي للسيارة.

للمرة الأولى منذ أحد عشر عامًا من الزواج، وجدت نفسي أتساءل: كم أعرف حقًا عن الرجل الذي أعيش معه؟

حاولت أن أجد تفسيرًا بريئًا. ربما كان يواجه مشكلة في العمل يخشى أن يخبرني بها، أو ربما كان يساعد أحد أفراد عائلته سرًا. لكن لماذا يختلق كل هذه التفاصيل عن الاجتماعات والمواعيد النهائية؟ ولماذا يصر على أن يعتقد الجميع أنه يذهب إلى الشركة؟

ثم تذكرت المرأة التي تحدثت معه عبر الهاتف في الليلة الماضية، عندما أغلق باب غرفة النوم في وجهي. لم أسمع كلماتها، لكنني تذكرت كيف تغير صوته عندما رد عليها.

هل كانت هي السبب؟

لم أستطع تحمل فكرة أن يكون لزوجي وجه آخر لا أعرفه، لكنني كنت أعلم أنني لن أستطيع النوم بسلام ما دمت أجهل الحقيقة.

عدت إلى المنزل، وقررت أن أراقب تصرفاته دون أن أثير شكوكه.

مر بقية اليوم ببطء شديد. حاولت الانشغال بالأعمال المنزلية، لكن أفكاري ظلت تدور حول السؤال نفسه: أين يقضي آدم كل هذه الساعات؟

وعندما عاد مساءً، دخل البيت كعادته، ووضع حقيبته بجوار الأريكة، ثم اقترب مني وقبّل جبيني.

قال وهو يفك أزرار ياقة قميصه:
«كان يوم طويل جدًا. أنا تعبت من ضغط الشغل ده».

نظرت إليه محاوِلة قراءة ملامحه، ثم سألته بهدوء:
«لسه عندك مشاكل في العرض التقديمي اللي كنت بتجهزه؟»

أجاب دون تردد:
«أيوه، المدير طلب تعديلات جديدة، وقعدت طول النهار في اجتماعات عشان نخلصه».

ابتسمت ابتسامة صغيرة، رغم أنني شعرت برغبة في البكاء.

لقد أعدّ كذبته بعناية، حتى إنه لم ينسَ التفاصيل التي أخبرني بها في الأيام السابقة.

قلت:
«ربنا يعينك. على فكرة، كنت في الشركة النهارده، وموظفة الاستقبال قالت لي إنك واخد إجازة الأسبوع ده».

توقف آدم عن خلع ساعته.

كانت لحظة قصيرة، لكنها كانت كافية لألاحظ التغير الذي طرأ على وجهه. نظر إليّ، ثم أشاح بعينيه قبل أن يضحك ضحكة متكلفة.

«آه، صح! أنا نسيت أقولك. كنت واخد إجازة من الشغل، بس عندي شوية حاجات لازم أخلصها بره المكتب».

سألته وأنا أثبت عينيّ عليه:
«خمس أيام يا آدم؟ وإنت كل يوم بتخرج الصبح وتقول لي إنك رايح الشغل؟»

تغيرت نبرة صوته فجأة.

«هو إنتِ بتحاسبيني على كل حاجة بعملها؟ أنا مش طفل صغير عشان أشرح لك كل خطوة بخطوها!»

تراجعت قليلًا من حدة صوته. لم أعتد أن يكلمني بهذه الطريقة عندما أسأله عن أمر بسيط.

قلت بهدوء:
«أنا مش بحاسبك. أنا بس مستغربة إنك تخبي عني حاجة زي دي».

أخذ هاتفه من فوق الطاولة، ثم قال:
«الموضوع مش مستاهل كل ده. أنا تعبان ومش عايز أتكلم دلوقتي».

دخل غرفة النوم وأغلق الباب خلفه.

بقيت واقفة في مكاني، أستعيد كلماته. لم يحاول حتى أن يقدم تفسيرًا منطقيًا. كان غاضبًا لأنني اكتشفت كذبته، لا لأنه اضطر إلى إخفاء شيء مهم عن زوجته.

في تلك الليلة، انتظرت حتى غلبه النوم، ثم جلست وحدي في غرفة المعيشة.

كنت أتذكر كل مرة أخبرني فيها أنه سيتأخر، وكل مكالمة خرج إلى الشرفة ليرد عليها، وكل مرة عاد فيها إلى المنزل وهو يبدو مرهقًا على نحو غير معتاد.

هل كانت تلك الساعات التي يقضيها بعيدًا عني جزءًا من حياة أخرى يعيشها؟

في الصباح التالي، استيقظت قبل آدم بوقت طويل. كنت قد اتخذت قراري: لن أواجهه مرة أخرى قبل أن أعرف أين يذهب، ومن يقابل، ولماذا يخشى أن أعرف الحقيقة.

راقبته وهو يستعد للخروج. ارتدى قميصه الأزرق، ووضع حاسوبه المحمول في حقيبته، ثم اقترب مني وقبّل جبيني.

«أشوفك بالليل يا حبيبتي».

ابتسمت له، وانتظرت حتى غادر.

بعد دقائق، أخذت مفاتيح سيارتي وخرجت خلفه.

في البداية، سلك الطريق المعتاد المؤدي إلى وسط المدينة، لكن بعد عدة دقائق انعطف إلى شارع جانبي، ثم واصل القيادة بعيدًا عن المنطقة التي تقع فيها شركته.

أبقيت مسافة بين سيارتي وسيارته، وقلبي يخفق بعنف كلما توقفت إشارة المرور.

وأخيرًا، توقف أمام مبنى قديم تحيط به الأشجار، ونزل من السيارة حاملًا حقيبته السوداء.

راقبته وهو يدخل من البوابة، ثم انتظرت قليلًا قبل أن أتبعه.

كان في الداخل مكتب استقبال صغير، ورجل يجلس خلفه يراجع بعض الأوراق. اقتربت منه وسألته:

«لو سمحت، أنا بدور على الأستاذ آدم. ممكن أعرف هو موجود هنا؟»

رفع الرجل رأسه، ثم نظر إليّ باستغراب.

«الأستاذ آدم؟ أيوه، هو موجود. حضرتك عندك ميعاد معاه؟»

شعرت بقلبي يهبط إلى قدميّ.

كان موجودًا بالفعل، ويبدو أن الرجل يعرفه جيدًا.

قلت وأنا أحاول السيطرة على ارتباكي:
«أنا مراته».

تغيرت ملامح الرجل، وألقى نظرة سريعة نحو الممر خلفه، ثم عاد ينظر إليّ وكأنه ارتكب خطأ لم يكن ينبغي أن يقع فيه.

قال بتردد:
«مراته؟ بس الأستاذ آدم قال لنا إن زوجته مش هتعرف بأي حاجة عن الموضوع ده، وإنه محتاج يخلص الإجراءات قبل نهاية الشهر».

تجمدت في مكاني.

أي إجراءات؟ ولماذا لا ينبغي لي أن أعرف؟

وقبل أن أتمكن من سؤاله، سمعت صوت آدم يأتي من الغرفة المجاورة.

كان يتحدث إلى شخص آخر بنبرة حازمة:

«أنا مش هقدر أفضل مخبي عنها أكتر من كده. لازم نخلص كل حاجة قبل ما تعرف بنفسها».

شعرت ببرودة تسري في جسدي.

ثم جاء صوت امرأة، واضحًا هذه المرة:

«وإنت فاكر إنها هتسامحك لما تعرف إنك مخبي عنها وجود ابنك كل السنين دي؟»

توقفت أنفاسي.

ابنه؟

لم يكن لدي وقت لاستيعاب ما سمعت، فقد انفتح باب الغرفة فجأة، وخرجت منه المرأة وهي تحمل ملفًا بنيًا.

نظرت إليّ، ثم توقفت في مكانها.

وفي اللحظة نفسها، ظهر آدم خلفها.

ما إن رآني حتى اختفى اللون من وجهه، وسقط الملف من يد المرأة، لتتناثر بعض الأوراق على الأرض.

انحنيت والتقطت إحداها دون أن أشعر.

كان اسمي مكتوبًا في أعلى الصفحة، وتحته تاريخ يعود إلى ما قبل زواجي من آدم بشهور.

رفعت عينيّ نحوه، وسألته بصوت مرتجف:

«إيه ده يا آدم؟ وإيه حكاية ابنك اللي أنا معرفش عنه حاجة؟»

لم يجب.

اقترب مني خطوة، ثم قال بصوت خافت:
«آية، اسمعيني بس. الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة».

لكن المرأة قاطعته، ونظرت إليّ بعينين دامعتين:

«لازم تعرفي الحقيقة يا آية. آدم مش بيخبي عنك ابنه وبس… هو كمان مخبي عنك السبب اللي خلاه يتجوزك من البداية».

ثم فتحت الملف، وأخرجت صورة قديمة، ووضعتها في يدي.

كانت صورة لآدم وهو يحمل طفلًا رضيعًا أمام مستشفى، وبجواره رجل مسنّ أعرفه جيدًا.

والدي.

الرجل الذي توفي قبل زواجي من آدم بعام واحد.

شعرت بأن الأرض تميد تحت قدميّ.

لماذا كان زوجي يقف بجوار أبي في صورة لم أرها من قبل؟ وما علاقة والدي بالطفل الذي أخفى آدم وجوده طوال هذه السنوات؟

وقبل أن أستطيع طرح أي سؤال، نظرت المرأة إلى آدم وقالت:

«خلاص يا آدم، كفاية كذب. هي لازم تعرف مين صاحب القرار اللي غيّر حياتكم أنتم الاتنين قبل ما تتجوزوا».

ثم التفتت إليّ وهمست:

«أبوكِ ما ماتش من غير ما يسيب لك سر يا آية… وآدم هو الشخص الوحيد اللي يعرف الحقيقة كاملة».

وفي تلك اللحظة، أدركت أن الكذبة التي اكتشفتها في الشركة لم تكن سوى الباب الأول لسر أكبر بكثير، سر يعود إلى ما قبل زواجي من الرجل الذي ظننت أنني أعرفه أكثر من أي شخص آخر.

يتبع…

تفتكروا إيه علاقة والد آية بسر آدم؟ وهل كان زواجهم مبنيًا على حب حقيقي، ولا فيه اتفاق قديم محدش قال لها عنه؟

الجزء الخامس
كان جزء مني يريد أن يواجه آدم في تلك اللحظة، وأن يطالبه بتفسير كل كذبة قالها لي طوال الأسبوع. لكن جزءًا آخر كان يخشى أن تؤدي المواجهة إلى ضياع الفرصة الوحيدة التي أملكها لمعرفة الحقيقة.

إذا كان زوجي قد استطاع إخفاء هذا السر عني طوال أحد عشر عامًا من الزواج، فلن يكون من الصعب عليه اختلاق كذبة جديدة ليجعلني أتراجع عن شكوكي.

لذلك قررت أن ألتزم الصمت، على الأقل حتى أعرف إلى أين يذهب كل صباح، ومن المرأة التي تتواصل معه، وما علاقة الطفل الذي سمعت عنه بحياته.

في تلك الليلة، استلقيت بجوار آدم بينما كان نائمًا بعمق. كنت أسمع أنفاسه المنتظمة، وأتأمل ملامحه التي حفظتها عن ظهر قلب. هذا هو الرجل الذي شاركني بيتي وأسراري وأحلامي، والرجل نفسه الذي اكتشفت أنه يخفي عني حياة كاملة.

كيف استطاع أن ينظر في عينيّ كل ليلة، ويخبرني بتفاصيل يومه، بينما كان يعرف أن كل كلمة يقولها كذبة؟

لم أنم إلا قليلًا، وبحلول الصباح كنت قد اتخذت قراري.

سأعرف الحقيقة بنفسي، مهما كانت مؤلمة.

بدأ اليوم التالي بالطريقة المعتادة. استيقظ آدم، وارتدى ملابس العمل، ثم وضع حاسوبه المحمول داخل حقيبته السوداء. جلس إلى الطاولة، وشرب قهوته، وتفقد هاتفه عدة مرات قبل أن ينهض.

راقبته من المطبخ وأنا أحاول إخفاء توتري.

اقترب مني، وقبّل جبيني، ثم قال:
«أشوفك بالليل يا حبيبتي. غالبًا هتأخر النهارده، عندي شغل كتير لازم أخلصه».

نظرت إليه وقلت بهدوء:
«ماشي، خد بالك من نفسك».

ابتسم، وحمل حقيبته، وغادر المنزل.

انتظرت حتى اختفى صوت سيارته عند نهاية الشارع، ثم أخذت مفاتيح سيارتي وانطلقت خلفه.

كانت تلك أول مرة أتبع فيها زوجي سرًا منذ زواجنا. شعرت بالخوف والارتباك، لكن رغبتي في معرفة الحقيقة كانت أقوى من كل شيء.

حرصت على إبقاء مسافة كافية بيننا، وتجنبت الاقتراب منه عند إشارات المرور. في البداية، سلك الطريق المعتاد الذي يؤدي إلى وسط المدينة، حتى ظننت أنه ربما سيذهب إلى شركته هذه المرة.

لكن بعد عدة دقائق، انعطف إلى شارع جانبي لم أره يسلكه من قبل.

تابعت السير خلفه، بينما كان قلبي يخفق بعنف.

مررنا بمنطقة تجارية مزدحمة، ثم ابتعدنا تدريجيًا عن الشوارع الرئيسية. وبعد نحو نصف ساعة، توقفت سيارته أمام مبنى هادئ تحيط به الأشجار، وتعلو مدخله لافتة صغيرة لم أستطع قراءتها من مكاني.

نزل آدم من السيارة، وأخرج هاتفه، ثم أجرى مكالمة قصيرة.

لم أستطع سماع ما يقوله، لكنني لاحظت أنه كان ينظر حوله باستمرار، وكأنه يتأكد من أن أحدًا لم يتبعه.

بعد انتهاء المكالمة، فتح حقيبته وأخرج منها ملفًا بنيًا، ثم دخل المبنى وأغلق الباب خلفه.

جلست في سيارتي عدة دقائق، أحاول استيعاب ما رأيته.

لم يكن هذا المكان قريبًا من شركته، ولم يكن هناك ما يشير إلى أنه مكتب تابع لها. والأغرب أنه بدا وكأنه يعرف المكان جيدًا، فلم يحتج إلى السؤال عن أي شيء عند المدخل.

نزلت من سيارتي وتوجهت نحو البوابة.

كانت هناك لوحة صغيرة بجوار الباب، لكنني لم أتمكن من قراءة سوى كلمة واحدة: «المركز».

وقبل أن أمد يدي إلى الجرس، سمعت صوت طفل يأتي من الداخل، يتبعه صوت آدم وهو يضحك.

تجمدت في مكاني.

لم أسمع زوجي يضحك بهذه الطريقة منذ وقت طويل. كانت ضحكة عفوية ودافئة، مختلفة تمامًا عن صوته المتعب الذي اعتدت سماعه عندما يعود إلى المنزل.

ثم سمعت الطفل يقول بوضوح:
«إنت وعدتني إنك هتيجي النهارده بدري يا بابا!»

توقفت أنفاسي.

بابا؟

وضعت يدي على فمي، وشعرت بأن ساقيّ لم تعودا تحملانني. لم أكن أعرف إن كان الطفل يقصد آدم فعلًا، لكنني كنت أعرف أنني لا أستطيع المغادرة قبل أن أتأكد.

دفعت الباب ببطء ودخلت.

كان المكان هادئًا، وفي نهايته ممر طويل تتفرع منه عدة غرف. رأيت موظفة تجلس خلف مكتب صغير، فاقتربت منها وسألتها بصوت حاولت أن أجعله طبيعيًا:

«لو سمحتِ، أنا بدور على الأستاذ آدم. ممكن أعرف هو موجود فين؟»

رفعت الموظفة رأسها، ثم نظرت إلى الشاشة أمامها.

«حضرتك عندك ميعاد؟»

ترددت للحظة، ثم قلت:
«أنا مراته».

توقفت عن الكتابة، ورفعت عينيها إليّ بدهشة واضحة.

«مراته؟»

قبل أن أتمكن من سؤالها عن سبب استغرابها، جاء صوت آدم من إحدى الغرف:

«لو سمحتِ، خلي أي حد يستناني بره. أنا مش عايز حد يدخل دلوقتي».

نظرت الموظفة نحوي، ثم قالت بصوت منخفض:
«الأستاذ آدم هنا بقاله كام يوم، بس بصراحة أنا مش عارفة إذا كان ينفع أدخلك له ولا لأ».

بقاله كام يوم!

شعرت بأن آخر أمل لدي في وجود تفسير بسيط بدأ يتلاشى.

وقبل أن أقرر ما سأفعله، انفتح باب إحدى الغرف، وخرجت منه امرأة تحمل ملفًا طبيًا. كانت في أواخر الثلاثينيات، وترتدي ملابس بسيطة، لكن ما لفت انتباهي هو أنها كانت تتحدث في الهاتف بصوت مرتجف.

قالت:
«أنا مش هقدر أستنى أكتر من كده يا آدم. لازم تعرفها الحقيقة بنفسك، وإلا أنا هضطر أقول لها كل حاجة».

ثم أنهت المكالمة، ورفعت رأسها.

التقت عيناها بعينيّ، فتوقفت فجأة.

نظرت إليّ طويلًا، وكأنها تحاول التأكد من هويتي، ثم سألت:
«إنتِ آية؟ زوجة آدم؟»

شعرت بقلبي يخفق بعنف.

«أيوه، إنتِ مين؟»

لم تجب مباشرة. ألقت نظرة سريعة نحو الغرفة التي خرجت منها، ثم اقتربت مني وهمست:

«أنا سلمى. وصدقيني، أنا مستنياكي من زمان».

لم أفهم ما تقصده، لكن قبل أن أتمكن من سؤالها، انفتح الباب خلفها وظهر آدم.

كان يحمل كوبًا صغيرًا في يده، وما إن رآني حتى تجمد في مكانه.

سقط الكوب من يده وارتطم بالأرض.

لثوانٍ، لم يتكلم أحد منا.

ثم اقترب مني ببطء، ونظر إلى سلمى قبل أن يعيد عينيه إليّ.

«آية؟ إنتِ بتعملي إيه هنا؟»

لم أجب عن سؤاله. كنت أنظر إلى باب الغرفة المفتوح خلفه، حيث ظهر الطفل الذي سمعت صوته قبل قليل.

كان يقف ممسكًا بسيارة لعبة حمراء، وينظر إلى آدم بحيرة.

ثم رفع رأسه نحوي، وسأل ببراءة:

«بابا، هي دي ماما اللي إنت بتقول لي عليها؟»

شعرت بأن العالم كله توقف من حولي.

نظرت إلى آدم، منتظرة أن ينكر، أو يشرح، أو يقول أي شيء يمكن أن يعيد إليّ قدرتي على التنفس.

لكنه لم يفعل.

بل انحنى نحو الطفل، وأخذه إلى الداخل، ثم أغلق الباب بهدوء.

وعندما استدار نحوي، كان وجهه شاحبًا، وعيناه تحملان خوفًا لم أرهما به من قبل.

قال بصوت خافت:
«آية، أنا كنت ناوي أحكيلك كل حاجة… بس مش بالطريقة دي».

نظرت إليه، وشعرت أنني لم أعد أعرف هذا الرجل الذي عشت معه أحد عشر عامًا.

«كل حاجة إيه يا آدم؟ مين الطفل ده؟ وليه بيقول لك بابا؟ وإنت بتعمل إيه هنا من غير ما أعرف؟»

خفض رأسه، وظل صامتًا.

لكن سلمى لم تستطع الانتظار أكثر.

فتحت الملف الذي كانت تحمله، وأخرجت منه صورة قديمة، ثم وضعتها أمامي.

كانت الصورة لآدم وهو يحمل الطفل بين ذراعيه، وبجواره رجل أعرفه جيدًا.

والدي.

والدي الذي توفي قبل زواجي من آدم بعام كامل.

رفعت عينيّ إليها، غير قادرة على استيعاب ما أراه.

قالت سلمى بصوت مرتجف:

«الطفل ده مش مجرد سر آدم يا آية. أبوكِ كان عارف بوجوده قبل ما تتجوزوا، وكان فيه اتفاق بينهم محدش قال لك عنه».

ثم التفتت نحو آدم، وأضافت:

«كفاية تأجيل. هي لازم تعرف ليه اتجوزتها من البداية».

شعرت بأن الأرض تميد تحت قدميّ.

نظرت إلى زوجي، وقلت بصوت بالكاد خرج من حلقي:

«إنت اتجوزتني ليه يا آدم؟»

فتح فمه ليجيب، لكنه لم ينطق.

وفي تلك اللحظة، أخرجت سلمى ورقة من الملف، ووضعتها في يدي.

كانت تحمل توقيع والدي وتاريخًا يعود إلى ما قبل زواجي من آدم بأشهر قليلة.

لكن الجملة المكتوبة في أسفلها كانت هي ما جعلني أتراجع خطوة إلى الوراء:

«إذا وافقت آية على الزواج من آدم، فلا بد أن تظل الحقيقة مخفية عنها حتى يحين الوقت المناسب».

رفعت رأسي نحو آدم، وقد امتلأت عيناي بالدموع.

«إيه الحقيقة اللي أبويا كان عايز يخبيها عني؟»

نظر إليّ طويلًا، ثم قال أخيرًا:

«الحقيقة يا آية… إن أبوكِ هو اللي طلب مني أتجوزك».

توقفت أنفاسي.

لماذا يطلب أبي من رجل أن يتزوج ابنته؟ وما علاقة الطفل الذي يقف خلف الباب بهذا الاتفاق القديم؟

وقبل أن أتمكن من طرح سؤال آخر، دوّى صوت ارتطام قوي من الغرفة المجاورة، أعقبه صراخ الطفل.

ركض آدم نحو الباب، لكن سلمى أمسكت بذراعي قبل أن أتبعه، وهمست في أذني:

«لو دخلتي الغرفة دي، هتعرفي السر اللي آدم حاول يخبيه عنك طول أحد عشر عامًا… لكن بعده، مش هتقدري ترجعي لحياتك القديمة أبدًا».

نظرت إلى الباب، ثم إلى آدم الذي كان يحاول فتحه بعصبية.

وفي تلك اللحظة، أدركت أنني لم أكن ألاحق زوجي لأكتشف أين يقضي أيامه فحسب.

كنت على وشك اكتشاف الحقيقة التي بُني عليها زواجي كله.

يتبع…

تفتكروا إيه الاتفاق اللي كان بين والد آية وآدم؟ وهل الطفل ده هو السبب الحقيقي وراء زواجهم، ولا فيه سر أخطر لسه مستخبي؟

الجزء السادس
قاد آدم سيارته في الشوارع التي اعتاد المرور بها كل صباح. مرّ بمحطة الوقود القريبة من منزلنا، ثم بمركز التسوق الذي نتوقف عنده أحيانًا لشراء احتياجات البيت، وبعدها تجاوز المخبز الذي كان يشتري منه إفطاره في طريقه إلى العمل.

كنت أتبعه من بعيد، وأحاول أن أبدو طبيعية وسط حركة المرور، لكن عينيّ لم تفارقا سيارته لحظة واحدة.

اقتربنا من التقاطع المؤدي إلى شركته.

حبست أنفاسي، منتظرة أن ينعطف كعادته، لكنه واصل السير إلى الأمام دون أن يبطئ حتى سرعته.

شعرت بقبضة قوية تعتصر قلبي.

إذًا، لم تكن موظفة الاستقبال مخطئة. آدم لم يكن متجهًا إلى مكتبه، ولم يكن هناك أي اجتماع ينتظره كما أخبرني قبل دقائق من مغادرته المنزل.

واصلت تتبعه عبر عدة شوارع، حتى ابتعدنا عن وسط المدينة ودخلنا منطقة لم أزرها إلا مرات قليلة. كانت الشوارع هناك أكثر هدوءًا، والمباني مختلفة عن تلك التي اعتدت رؤيتها في طريقي اليومي.

بعد نحو عشرين دقيقة، انعطف آدم إلى موقف سيارات أمام مبنى قديم من الطوب الأحمر، تتوسط واجهته أبواب زجاجية داكنة.

أوقفت سيارتي على الجانب الآخر من الشارع، في مكان يسمح لي بمراقبته دون أن ألفت انتباهه.

ترجل آدم من سيارته، وعدّل سترته، ثم أخرج حقيبته السوداء من المقعد المجاور. وقبل أن يدخل المبنى، أخرج هاتفه وأرسل رسالة قصيرة، ثم رفع رأسه يتفحص الشارع للحظات.

كان يتصرف بحذر، وكأنه يخشى أن يراه شخص يعرفه.

راقبته حتى اختفى خلف الأبواب الزجاجية، ثم استندت إلى مقعدي وأطلقت نفسًا طويلًا.

ما طبيعة هذا المكان؟ ولماذا يزوره زوجي كل صباح؟ والأهم، لماذا يصر على إخفاء الأمر عني؟

فكرت في النزول والدخول خلفه، لكنني خشيت أن يراني فينكشف كل شيء قبل أن أصل إلى أي إجابة. لذلك قررت الانتظار قليلًا.

مرت عشر دقائق، ثم عشرون، ولم يحدث شيء.

بدأت أشعر بالتوتر، وأمسكت هاتفي لأتفقد الوقت. كان آدم قد أخبرني أنه سيقضي يومه في اجتماعات متواصلة، لكنني لم أستطع التوقف عن التفكير في احتمال أن يكون هذا المكان هو السر الذي أخفاه عني طوال الأسبوع.

وفجأة، انفتح الباب الزجاجي.

خرج آدم، لكنه لم يكن وحده.

كان يسير بجواره رجل يرتدي قميصًا رماديًا ويحمل ملفًا أسود. توقف الاثنان بالقرب من المدخل، وتبادلا بضع كلمات لم أتمكن من سماعها.

ثم مدّ الرجل يده إلى آدم، وسلمه ظرفًا بنيًا صغيرًا.

أخذه آدم بسرعة ووضعه داخل حقيبته، قبل أن يربت على كتف الرجل ويقول شيئًا جعله يهز رأسه موافقًا.

شعرت بأن قلبي يخفق بعنف.

ما الذي يحتويه ذلك الظرف؟ ولماذا بدا آدم حريصًا على إخفائه؟

أخرجت هاتفي والتقطت صورة من خلف الزجاج الأمامي لسيارتي، محاوِلة الاحتفاظ بدليل على ما أراه. لم أكن أعرف إن كنت سأحتاج إليه، لكنني شعرت أنني قد أندم إذا غادرت دون أن أحتفظ بأي شيء.

بعد لحظات، تحرك الرجل نحو الشارع، بينما عاد آدم إلى سيارته.

ظننت أنه سيغادر، لكنني فوجئت به يتوقف قبل أن يفتح الباب، ثم يخرج هاتفه ويجري مكالمة.

كان وجهه جادًا، وبدت عليه علامات الضيق. تحدث لدقيقة تقريبًا، ثم أنهى الاتصال ونظر إلى المبنى مرة أخيرة قبل أن يدخل سيارته.

انتظرت حتى تحرك، ثم انطلقت خلفه من جديد.

لكنه لم يعد إلى الطريق المؤدي إلى شركته، ولم يتجه نحو المنزل أيضًا. واصل السير إلى حي آخر، حتى توقف أمام مبنى سكني هادئ، تحيط به حديقة صغيرة.

نزل من السيارة، وأخذ حقيبته معه، ثم اتجه إلى المدخل.

هذه المرة، لم أستطع الاكتفاء بالمراقبة من بعيد.

أوقفت سيارتي في الشارع المقابل، وترجلت منها. وبينما كنت أعبر الطريق، رأيت امرأة تخرج من المبنى حاملة حقيبة صغيرة.

توقفت عندما رأت آدم، وابتسمت له ابتسامة بدت مألوفة على نحو أزعجني.

اقتربت منه، وتحدثت معه للحظات، ثم وضعت يدها على ذراعه.

لم أستطع سماع ما تقول، لكنني رأيت آدم يبتسم لها. لم تكن ابتسامته تلك التي يمنحها لزملائه أو معارفه، بل كانت ابتسامة شخص يشعر بالراحة في وجود من أمامه.

شعرت بمرارة في حلقي.

هل كانت هذه هي المرأة التي يخفيها عني؟

كدت أندفع نحوهما وأطالبه بتفسير ما أراه، لكنني أجبرت نفسي على التراجع خلف سيارة متوقفة. لم أكن أريد أن أواجهه بناءً على مشهد قد يحتمل أكثر من تفسير.

ثم حدث شيء لم أتوقعه.

خرج طفل صغير من مدخل المبنى، وركض نحو آدم حاملًا سيارة لعبة حمراء.

فتح آدم ذراعيه، فاندفع الطفل إليه، واحتضنه بقوة.

انحنى آدم وحمله، ثم قبّل رأسه وهو يضحك.

سمعت الطفل يقول بوضوح:
«بابا، إنت اتأخرت عليّا النهارده!»

تجمدت في مكاني.

بابا؟

شعرت بأن الدم انسحب من وجهي. لم أعد أسمع ضوضاء الشارع من حولي، ولم أعد أرى سوى آدم وهو يحمل الطفل بين ذراعيه بحنان لم أكن أتخيل أنه يخفيه عني في مكان آخر.

كان الطفل في نحو السابعة من عمره، وله عينان تشبهان عيني آدم إلى حد مخيف.

لم أستطع أن أقرر ما إذا كنت أريد الاقتراب أم الهرب. كل ما عرفته أن حياتي، كما كنت أفهمها، بدأت تتفكك أمام عيني.

أخرجت هاتفي مرة أخرى، لكن يدي كانتا ترتجفان بشدة حتى كدت أسقطه.

وفي تلك اللحظة، رفعت المرأة رأسها ونظرت في اتجاهي.

شعرت بأنها رأتني، فتراجعت بسرعة واختبأت خلف السيارة. بقيت هناك حتى سمعت باب المبنى يُغلق، ثم رفعت رأسي بحذر.

كان آدم قد دخل مع المرأة والطفل.

انتظرت عدة دقائق، ثم عبرت الشارع وتوجهت إلى مدخل المبنى. لم أكن أعرف ما الذي سأقوله، ولا كيف سأواجه زوجي إذا وجدته أمامي، لكنني لم أعد أستطيع العودة إلى المنزل والتظاهر بأن شيئًا لم يحدث.

قبل أن أصل إلى الباب، سمعت صوت رجل يتحدث خلفي:

«حضرتك بتدوري على حد هنا؟»

التفتُّ بسرعة.

كان الرجل الذي رأيته يسلم آدم الظرف البني يقف على بعد خطوات مني. نظر إليّ باهتمام، ثم أضاف:

«إنتِ تعرفي الأستاذ آدم؟»

حاولت أن أسيطر على ارتباكي وقلت:
«أيوه، ده جوزي».

تغيرت ملامحه فجأة.

نظر إلى المبنى، ثم عاد ينظر إليّ وكأنه لم يصدق ما سمعه.

«جوزك؟!»

أومأت برأسي.

ظل صامتًا للحظات، ثم قال بصوت منخفض:
«يبقى لازم تعرفي إن اللي بيحصل هنا مش زي ما إنتِ متخيلة».

شعرت بقلبي ينقبض.

سألته:
«إنت تقصد إيه؟ مين الست دي؟ والطفل ده ابنه؟»

تردد الرجل، ثم أخرج هاتفه وفتح صورة قديمة، قبل أن يمده نحوي.

كانت الصورة لآدم والمرأة والطفل، أمام المستشفى نفسه الذي كنت أذهب إليه مع والدتي قبل وفاتها.

لكن ما جعلني أفقد القدرة على الكلام لم يكن وجود آدم أو الطفل في الصورة.

بل الرجل الرابع الذي كان يقف بجوارهم.

والدي.

كان أبي ينظر إلى الطفل مبتسمًا، بينما يضع يده على كتف آدم، وكأنهما يعرفان بعضهما منذ سنوات.

رفعت رأسي ببطء، وسألت الرجل:
«الصورة دي اتصورت إمتى؟»

أجاب:
«قبل جوازك من آدم بشهور قليلة».

شعرت بأن الأرض تميد تحت قدميّ.

أبي كان يعرف هذا الطفل. وكان يعرف آدم في ذلك الوقت. فلماذا لم يخبرني أحد بشيء؟

وقبل أن أتمكن من طرح سؤال آخر، أغلق الرجل هاتفه وقال:

«فيه حاجة لازم تعرفيها يا مدام آية. الأستاذ آدم مش بييجي هنا عشان الست دي وبس. هو بيحاول يصلح غلطة قديمة، غلطة بدأت قبل جوازكم، وأبوكِ كان طرف فيها».

ثم ألقى نظرة نحو باب المبنى، وأضاف:

«بس لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة، لازم تسمعيها من الشخص اللي آدم بيخاف تقابليه أكتر من أي حد تاني».

سألته بصوت مرتجف:
«مين الشخص ده؟»

وقبل أن يجيب، فُتح باب المبنى، وخرجت المرأة نفسها وهي تحمل ملفًا بنيًا.

توقفت عندما رأتني، ثم نظرت إلى الرجل الذي يقف بجواري.

بدت عليها الدهشة للحظة، لكنها سرعان ما استجمعت نفسها واقتربت مني.

قالت بهدوء:
«إنتِ آية، صح؟ أنا كنت عارفة إن اليوم ده هييجي».

مدت يدها بالملف نحوي، ثم أضافت:

«جوزك مش الشخص الوحيد اللي كذب عليكِ. فيه حد من عيلتك كان عارف الحقيقة من البداية، وخلّاه يوعده إنه مش هيقولك أي حاجة أبدًا».

نظرت إلى الملف، ثم إلى المرأة.

وقبل أن أفتحه، قالت جملة جعلتني أشعر بأن السر أكبر بكثير من طفل أخفاه زوجي عني:

«لو عرفتي ليه أبوكِ اختار آدم بالذات عشان يتجوزك، هتفهمي إن كل اللي حصل في حياتك من يومها ماكانش صدفة».

يتبع…

يا ترى إيه علاقة والد آية بآدم والطفل؟ وهل كان زواجها من آدم مبنيًا على سر قديم لم تعرف عنه شيئًا طوال أحد عشر عامًا؟

الجزء السابع
لم أستطع استيعاب ما أراه أمامي. كل الأعذار التي اختلقها آدم بشأن إجازته المفاجئة، وكل الاجتماعات المرهقة التي كان يتحدث عنها كل مساء، بدت الآن جزءًا من سر أكبر بكثير مما تخيلت.

لكن الصدمة الحقيقية لم تكن في اكتشافي أنه يكذب عليّ، بل في هوية المرأة التي كانت تقف بجواره.

كانت أختي الصغرى، سارة!

سارة نفسها التي اعتادت زيارتي كل أسبوع، وتجلس بجواري على الأريكة لتقص عليّ تفاصيل حياتها، وتحتضنني كلما شعرت بالحزن. سارة التي وقفت إلى جواري يوم زفافي، وأمسكت بيدي وهي تبكي من شدة الفرح. كنت أعتبرها أقرب الناس إليّ بعد زوجي، ولم أتخيل يومًا أن أراها في موقف كهذا.

ماذا كانت تفعل معه في هذا المكان؟ ولماذا يلتقيان سرًا بينما يتركني أصدّق أنه يقضي يومه في العمل؟

ظللت أراقبهما من خلف زجاج سيارتي، أحاول إقناع نفسي بأن هناك تفسيرًا منطقيًا لكل ما أراه. لكن تصرفاتهما لم تساعدني على ذلك.

رأيت سارة تضع يدها على ذراع آدم بحركة بدت مألوفة أكثر مما ينبغي، ثم رأيته يتراجع قليلًا ويقول لها شيئًا جعلها تطأطئ رأسها بحزن.

بعدها فتح حقيبته وأخرج ظرفًا بنيًا سميكًا، ناولها إياه بحذر. أخذته سارة بكلتا يديها، وتفحصته بقلق قبل أن ترفع عينيها إليه. وبعد لحظات، اندفعت نحوه واحتضنته.

لم يكن عناقًا عابرًا بين شخصين التقيا مصادفة. كان عناقًا طويلًا، مثقلًا بالمشاعر، وكأن كليهما يحاول مواساة الآخر في محنة لا يعرفها سواهما.

عندها، لم أعد قادرة على البقاء في مكاني.

أدرت محرك السيارة، وانطلقت نحو المدخل، ثم توقفت بالقرب منهما. وما إن سمعا صوت السيارة حتى استدارا في اللحظة نفسها.

رأيت وجه سارة يشحب فجأة، بينما تجمد آدم في مكانه وكأنه رأى شبحًا.

فتحت باب السيارة ونزلت ببطء. لم أصرخ، ولم أبكِ، ولم أفعل أي شيء مما كنت أتخيل أنني سأفعله لو اكتشفت يومًا أن أقرب الناس إليّ يخفون عني سرًا.

اكتفيت بالنظر إليهما وقلت بهدوء بارد:

«صباح الخير. واضح إني وصلت في وقت غير مناسب».

حاول آدم الاقتراب مني، لكنني رفعت يدي لأوقفه.

«مكانك يا آدم. خلينا نتكلم من هنا».

قال مرتبكًا:
«حبيبتي، أرجوكِ، الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة. أنا أقدر أشرح لكِ كل حاجة».

ضحكت ضحكة قصيرة لم تحمل أي فرح.

«بجد؟ طيب، اشرح لي. ليه كل يوم بتقول إنك رايح الشغل، مع إنك بتيجي هنا؟ وليه بتقابل أختي من ورايا؟ وإيه اللي في الظرف ده؟»

تراجعت سارة خطوة إلى الوراء، وضمت الظرف إلى صدرها كأنني أحاول انتزاع شيء ثمين منها.

قالت بصوت مرتجف:
«آية، أرجوكي، اسمعيني أنا الأول. والله الموضوع مش زي ما إنتِ متخيلة».

التفتُّ إليها، وشعرت بألم أشد من ذلك الذي سببه لي كذب آدم.

«إنتِ كمان يا سارة؟! إنتِ اللي كنتِ بتيجي تقعدي معايا كل أسبوع، وتحكي لي أسرارك، وتسمعيني لما أكون مخنوقة. كنتِ بتبصي في عينيّ وإنتِ عارفة إن فيه حاجة بتخبيها عني؟»

امتلأت عيناها بالدموع، لكنها لم تجب.

قلت بمرارة:
«طيب، قولي لي أظن إيه؟ أظن إن جوزي بيخوني مع أختي؟ ولا أظن إنكم الاتنين متفقين تضحكوا عليّ؟»

ساد الصمت بيننا.

ثم نظر آدم إلى سارة، وقال بصوت خافت:
«أعتقد إن مفيش فايدة من إخفاء الحقيقة عنها أكتر من كده».

تسللت قشعريرة باردة إلى جسدي.

إخفاء الحقيقة؟

إذًا، لم يكن الأمر مجرد لقاء سري أو ظرف غامض. كان هناك اتفاق بينهما، وربما منذ وقت طويل، على إبقائي بعيدة عن شيء لا أعرف عنه شيئًا.

ثبتُّ عينيّ على آدم وسألته مباشرة:
«جاوبني على سؤال واحد بس. إنت بتخوني؟»

رفع رأسه بسرعة، وكأن السؤال أصابه في مقتل.

«لا! أقسم بالله يا آية، أنا عمري ما خنتك».

«أمال إيه اللي بيحصل ده؟»

مرر يده على وجهه بتوتر، ثم نظر إلى سارة قبل أن يعيد نظره إليّ. بدا وكأنه يجمع شجاعته للاعتراف بشيء ظل يخفيه طويلًا.

وأخيرًا قال:
«أنا مش بروح الشغل يا آية، لأني فقدت وظيفتي من أسبوعين».

توقفت أنفاسي للحظة.

«إيه؟!»

أكمل بصوت منخفض:
«الشركة ألغت القسم اللي كنت شغال فيه، وأنا كنت واحد من الناس اللي استغنوا عنهم. من يومها وأنا بحاول ألاقي شغل تاني، لكن مكنتش عارف أقول لكِ إزاي».

حدقت فيه غير مصدقة.

أسبوعان كاملان وهو يغادر المنزل كل صباح، ويرتدي ملابسه الرسمية، ويحمل حقيبته، ثم يعود في المساء متظاهرًا بالتعب من العمل، بينما كنت أصدقه وأشفق عليه وأحاول التخفيف من أعبائه.

شعرت بالغضب يتراجع للحظة، ليحل محله شعور أعمق بالخذلان.

«يعني كل ده كنت بتكدب عليّ؟ كان ممكن تقول لي يا آدم! أنا مراتك، مش واحدة غريبة عنك!»

خفض رأسه وقال:
«عارف. بس كنت خايف تحسي إنّي فشلت، وخايف أخسرك».

هززت رأسي ببطء.

«وخسارتي ليك كانت هتبقى أهون من إنك تكدب عليّ؟»

لم يجب.

أشرت إلى الظرف الذي لا تزال سارة تحتضنه.

«طيب، لو الموضوع كله متعلق بشغلك، إيه بقى علاقة سارة باللي حصل؟ وليه بتديها ظرف بالطريقة دي؟»

تبادل الاثنان نظرة سريعة، وكانت تلك النظرة كافية لتعيد كل شكوكي إلى الواجهة.

قالت سارة أخيرًا:
«الظرف فيه فلوس يا آية».

شعرت بانقباض في صدري.

«فلوس؟! آدم بيديكي فلوس من ورايا؟»

أسرعت في الرد:
«لا، مش ليا أنا! دي مش فلوسي».

«أمال فلوس مين؟»

فتحت فمها لتجيب، لكن آدم قاطعها فجأة:

«سارة، استني. أنا اللي هقول لها».

ثم التفت إليّ، وكانت في عينيه نظرة لم أرها من قبل؛ خليط من الخوف والندم، وكأنه لم يعد يخشى أن أكتشف كذبه بشأن العمل، بل يخشى ما سيحدث بعد أن أعرف السبب الحقيقي وراء كل تلك الأكاذيب.

قال:
«فيه حاجة لازم تعرفيها يا آية. فقداني للشغل مش هو السبب الوحيد اللي خلاني أخبي عنك الحقيقة».

شعرت بأن الأرض تميد تحت قدمي.

«يعني إيه؟»

نظر إلى سارة، ثم عاد إليّ وقال:
«أنا وسارة بنتقابل من قبل ما أفقد شغلي بوقت طويل. والظرف اللي في إيدها ده جزء من موضوع بدأ من شهور».

تراجعت خطوة إلى الوراء.

من شهور؟!

قبل أن أتمكن من الكلام، أخرجت سارة ورقة مطوية من داخل الظرف، ونظرت إليّ بعينين دامعتين.

«آية، أنا عارفة إنك مش هتسامحيني بسهولة، بس لازم تشوفي الورقة دي بنفسك. وبعدها، لو قررتي تكرهيني، مش هقدر ألومك».

مدّت يدها نحوي.

أخذت الورقة بأصابع مرتجفة، وفتحتها ببطء.

لم أفهم كل ما كُتب فيها في البداية، لكن سطرًا واحدًا جعل الدم يتجمد في عروقي.

كان اسمي مكتوبًا بوضوح، وإلى جواره تاريخ يعود إلى ما قبل زواجي من آدم.

وتحت اسمي مباشرة، وجدت توقيعًا أعرفه جيدًا… توقيع والدي الراحل.

رفعت عينيّ نحوهما، ولم أعد أفكر في الخيانة أو الوظيفة أو الظرف.

كان السؤال الوحيد الذي يدور في رأسي:

ما الذي كان أبي يعرفه عن آدم قبل أن يوافق على زواجي منه؟

الجزء التامن
شعرت وكأن أحدهم صفعني بقوة. حدقت في آدم غير مصدقة، بينما كان يشيح بنظره عني وكأنه عاجز عن مواجهة عينيّ.

قال بصوت خافت:
«الشركة ألغت القسم اللي كنت شغال فيه بالكامل. استدعاني المدير، وبلغني إن عقدي انتهى، وإن مفيش مكان ليا عندهم تاني».

تجمدت في مكاني للحظات، ثم انفجرت أسئلتي دفعة واحدة:

«لكن إنت كنت بتخرج كل يوم الصبح! كنت بتحكي لي عن اجتماعاتك، وعن مديرك، وعن المشاكل اللي بتحصل في الشغل! كنت بصدقك يا آدم!»

أطرق رأسه وقال:
«عارف يا آية. أنا كذبت عليكِ».

خرجت مني ضحكة قصيرة، لكنها كانت أقرب إلى البكاء.

«وده المفروض يخليني أرتاح؟ إنت فاكر إني كنت هطردك من البيت عشان خسرت شغلك؟ كنت هحتقرك لو رجعت وقلت لي إنك محتاج مساعدتي؟»

هز رأسه نافيًا، ثم قال بصوت اختنق بالندم:
«لأ. أنا كنت خايف أخيّب أملكِ. قضيت سنين بحاول أكون الراجل اللي تقدري تعتمدي عليه، وفكرة إني أرجع أقول لكِ إني فقدت شغلي كانت فوق احتمالي. كنت فاكر إني هلاقي شغل تاني بسرعة، ولما أرجع أقف على رجلي، هحكيلك كل حاجة».

اقتربت منه خطوة، ونظرت إليه بمرارة.

«فقررت بدل ما تواجه مشكلة معايا، تخليني أعيش مع راجل بيكدب عليّ كل يوم؟ إنت كنت بتحاول تحافظ على صورتي عنك، ولا كنت بتحافظ على صورتك عن نفسك؟»

لم يجب.

وللمرة الأولى منذ بدأت هذه المواجهة، شعرت أنني لا أعرف الرجل الذي يقف أمامي. أحد عشر عامًا من الزواج، ومع ذلك لم يستطع أن يثق بي بما يكفي ليخبرني أنه يمر بأزمة.

لكن بقي سؤال واحد لم أكن مستعدة لتجاهله.

التفتُّ نحو سارة، التي كانت تقف بجوار السيارة وتضغط الظرف إلى صدرها.

«وأنتِ يا سارة؟ إنتِ ليه داخلة في الموضوع ده من ورايا؟»

انهمرت دموعها، وحاولت الكلام أكثر من مرة قبل أن تخرج الكلمات من فمها:

«عشان آدم كان بيساعدني في علاج ماما».

توقفت عن التنفس للحظة.

«علاج ماما؟!»

أومأت سارة، ثم مسحت دموعها بيد مرتجفة.

كانت أمي تعاني منذ أشهر من مشكلة صحية تتطلب فحوصات وأدوية متكررة. لكنني كنت أظن أن الأمور مستقرة، وأن نفقات علاجها تُدفع من مدخراتها ومن مساهماتنا العائلية المعتادة.

سألتها بذهول:
«أنا كلمتكِ إمبارح! وقلتي لي إن كل حاجة تمام. إيه اللي حصل؟»

قالت وهي تحاول السيطرة على بكائها:
«حالتها اتدهورت من كام أسبوع، والدكتور طلب فحوصات إضافية وإجراء طبي مكلف. أنا خفت أقول لكِ، لأنك كنتِ مضغوطة، ومكنتش عايزة أحملك هم فوق همك».

شعرت بالغضب يشتعل داخلي من جديد.

«وأنا بنتها برضه يا سارة! إزاي تقرروا أنتم الاتنين إني ماليش حق أعرف إن أمي تعبانة؟»

خفضت رأسها وقالت:
«عارفة إني غلطت. بس كنت عارفة إنك أول واحدة هتحاولي تدفعي كل حاجة، حتى لو ده هيكون على حسابك. لما حكيت لآدم، هو اللي عرض يساعدني. ولما فقد شغله، حاولت أقنعه إنه يوقف أي مصاريف لحد ما يلاقي شغل تاني، لكنه أصرّ إنه يكمل اللي بدأه».

نظرت إلى آدم.

كان يقف صامتًا، وكأنه ينتظر مني أن أحكم عليه، لكنه لم يحاول الدفاع عن نفسه هذه المرة.

مددت يدي نحو الظرف.

«وريني اللي جواه».

ترددت سارة قليلًا، ثم ناولتني إياه.

فتحت الظرف، فوجدت مجموعة من إيصالات المستشفى، وفواتير الأدوية، وتقارير طبية، إلى جانب أوراق تثبت المبالغ التي دفعها آدم خلال الأسابيع الماضية.

كانت الأرقام أكبر مما توقعت بكثير.

لكن وسط الأوراق، استوقفني خطاب رسمي يحمل اسم الشركة التي كان يعمل بها. سحبته من بين الأوراق، وقرأت محتواه ببطء.

كان خطاب إنهاء خدمته، مؤرخًا قبل أسبوعين.

رفعت عينيّ إليه.

«يعني إنت فقدت شغلك، وفي نفس الوقت كنت بتدفع مصاريف علاج ماما؟»

أومأ بصمت.

«طب كنت بتجيب الفلوس منين؟»

تردد للحظة، ثم أجاب:
«كان معايا جزء من مدخراتي، وبعت حاجات كنت محتفظ بيها. كنت بحاول أغطي المصاريف لحد ما ألاقي شغل تاني».

شعرت بوخزة ألم في صدري. لم أكن غاضبة لأنه ساعد أمي، بل لأنني اكتشفت أن زوجي كان يواجه كل ذلك وحده، بينما كنت أعيش في وهم أن حياتنا تسير بصورة طبيعية.

ومع ذلك، لم أستطع أن أتجاوز كذبه بهذه السهولة.

سألته بصوت خافت:
«كنت ناوي تقولي الحقيقة إمتى؟»

ظل صامتًا لثوانٍ طويلة، ثم قال:
«كنت كل يوم بقول لنفسي بكرة. كنت فاكر إني هلاقي شغل بسرعة، وهقول لك إن الموضوع خلص. لكن كل يوم كان بيعدي، كان الاعتراف بيبقى أصعب».

أغمضت عينيّ للحظة.

لم يكن يخونني بالطريقة التي تخيلتها، لكن ذلك لم يُلغِ حقيقة أنه جعلني أشك في زواجي كله. تركني أراقبه من بعيد، وأبني أسوأ الاحتمالات، بينما كان بإمكانه أن يضع الحقيقة أمامي منذ البداية.

قلت له:
«عارف إيه أكتر حاجة وجعتني؟ مش إنك خسرت شغلك، ولا حتى إنك ساعدت سارة من غير ما تقولي».

رفع عينيه إليّ.

«إنك قررت نيابة عني إني مش هقدر أتحمل الحقيقة. أحد عشر سنة يا آدم، أحد عشر سنة وأنا فاكرة إننا فريق واحد. لكن لما الدنيا ضاقت بيك، اخترت تواجهها لوحدك، وخلّيتني آخر واحدة تعرف».

اقترب خطوة، وقال:
«أنا آسف يا آية. والله ما كان قصدي أوجعك».

تراجعت قليلًا.

«الأسف مش هيرجع الثقة اللي ضاعت في اللحظة دي».

ساد صمت ثقيل، لم يقطعه سوى اهتزاز هاتف سارة.

نظرت إلى الشاشة، فتغير وجهها فجأة. ضغطت على الهاتف لتجيب، ثم قالت بصوت مضطرب:

«أيوه يا ماما؟… إيه؟! إنتِ بتقولي إيه؟»

تجمدت في مكاني عندما رأيتها تضع يدها على فمها، بينما راحت دموعها تنهمر من جديد.

«حاضر يا ماما، إحنا جايين حالًا».

أنهت المكالمة، ثم التفتت إلينا وهي ترتجف.

«الدكتور كلم ماما… قال إن نتيجة الفحوصات ظهرت، وإن لازم نروح المستشفى النهارده، ومينفعش نستنى».

شعرت بأن كل غضبي تراجع أمام الخوف على أمي.

أسرعت نحو السيارة، لكن قبل أن أفتح الباب، استوقفني آدم.

«آية، استني».

التفتُّ إليه.

أخرج من حقيبته ورقة أخرى، كانت مطوية بعناية، ثم مدها نحوي.

«فيه حاجة تانية لازم تعرفيها قبل ما نروح».

نظرت إلى الورقة بحيرة.

قال بصوت متردد:
«الفلوس اللي دفعتها لعلاج ماما مش كلها من مدخراتي. فيه مبلغ كبير وصلني من شخص طلب مني أساعدها، بشرط واحد… إني ما أقولش لكِ أي حاجة عنه».

شعرت ببرودة تسري في أطرافي.

«شخص مين؟»

خفض آدم عينيه، ثم قال اسمًا لم أكن أتوقع أن أسمعه في ذلك الموقف أبدًا.

«أبوكي يا آية… والدكِ هو اللي طلب مني أخبي عنكِ كل حاجة».

تراجعت خطوة، وحدقت فيه بصدمة.

كان أبي قد رحل منذ سنوات، ولم أفهم كيف يمكن أن يكون له أي دور في أمر يحدث الآن.

لكن آدم أضاف جملة جعلتني أنسى للحظة أن أمي تنتظرنا في المستشفى:

«والفلوس دي مش مساعدة عادية… أبوكي كان سايبها من زمان، ومكتوب في الورق إنها ما تتسلمش ليكِ إلا لما يحصل شيء محدد».

نظرت إلى الورقة في يده، ثم رفعت عينيّ إليه.

«وإيه هو الشيء ده؟»

لم يجب فورًا. اكتفى بفتح الورقة، وأشار إلى السطر الأخير.

كان هناك شرط مكتوب بخط أبي، وتحت الشرط توقيع آدم.

وعندما قرأت الكلمات، أدركت أن فقدان آدم لوظيفته، ولقاءاته السرية مع سارة، وحتى الأموال التي دُفعت لعلاج أمي، ربما لم تكن سوى بداية لحقيقة أكبر بكثير.

حقيقة تركها أبي خلفه، وانتظر أن يأتي يوم تنكشف فيه.

لكن لماذا ربط أبي أمواله بسرّ يخص زواجي من آدم؟ وما الذي كان يخشى أن أعرفه طوال هذه السنوات؟

الجزء التاسع والاخير
نظرت إلى آدم طويلًا، ثم قلت بصوت هادئ، رغم أن قلبي كان لا يزال مثقلًا بما حدث:

«كنت فاكرة إننا لو واجهتنا مشكلة، هنقعد مع بعض ونفكر إزاي نحلها. لكنك فضّلت تعيش حياة كاملة من الأسرار بدل ما تديني فرصة أقف جنبك».

اغرورقت عيناه بالدموع، وقال:
«أنا آسف يا آية. لو رجع بيا الزمن، كنت هحكيلك من أول يوم».

لم أُجبه فورًا. فهناك كلمات قد تكون صادقة، لكنها لا تستطيع وحدها إصلاح ما كسرته الأفعال.

التفتُّ إلى سارة، التي كانت تمسح دموعها بصمت.

«وإنتِ كمان غلطتي في حقي. كنتِ تقدري تطلبي مساعدتي، وكنتِ تقدري تثقي فيّ زي ما وثقتِ في آدم. أنا أختك، ومش من حقي أكون آخر واحدة تعرف إن أمنا تعبانة».

اقتربت مني وهي تبكي.

«عارفة يا آية. والله ما كان قصدي أوجعك. كنت خايفة على ماما، وخايفة أحملك فوق طاقتك».

أمسكت بيدها، لكنني لم أستطع أن أخفي ألمي.

«أنا مش محتاجة حد يحميني من الحقيقة بالكذب. لو إنتِ خايفة، قولي لي إنك خايفة. ولو محتاجة مساعدة، اطلبيها. لكن متقرريش نيابة عني إيه اللي أقدر أتحمله وإيه اللي لأ».

خفضت سارة رأسها، بينما وقف آدم أمامي عاجزًا عن الكلام.

كان بإمكاني أن أتركه وأرحل، وأن أعتبر ما حدث نهاية أحد عشر عامًا من الزواج. لكنني كنت أعرف أنني لا أريد اتخاذ قرار مصيري وأنا غارقة في الغضب، خصوصًا أن أمي كانت تحتاج إلينا.

قلت بحزم:
«هنرجع البيت، وهنقعد نتكلم في كل حاجة. عايزة أعرف وضعنا المالي بالكامل، وكل اللي حصل في شغلك، وكل تفاصيل علاج ماما. من النهارده مفيش أسرار بيننا».

أومأ آدم برأسه.

«أوعدك».

قاطعته بهدوء:
«مش عايزة وعود يا آدم. عايزة أشوف أفعال».

في تلك الليلة، جلسنا حول طاولة المطبخ، وأخرج آدم جميع الأوراق المتعلقة بإنهاء خدمته، وكشف لي عن مدخراته والمبالغ التي دفعها لعلاج أمي. جلسنا نحسب نفقاتنا، ونراجع التزاماتنا، ونحدد ما يمكن تأجيله حتى نعبر الفترة الصعبة.

لم يكن الوضع مريحًا، لكنه لم يكن ميؤوسًا منه أيضًا.

واتصلنا بسارة، واتفقنا أن تكون مصاريف علاج أمي واضحة للجميع، وأن نتشارك في القرارات بحسب قدرة كل واحد منا، بدلًا من أن يتحمل شخص واحد العبء في صمت.

لم تُحل مشكلاتنا في ليلة واحدة. كان علينا مواجهة القلق المالي، والبحث عن عمل جديد لآدم، ومتابعة حالة أمي، والأهم من ذلك كله، أن نعيد بناء الثقة التي تصدعت بسبب الكذب.

في الأيام التالية، بدأ آدم يرسل سيرته الذاتية إلى الشركات، ويحضر مقابلات العمل، ويخبرني بكل جديد يحدث معه. لم أعد أضطر إلى اختراع تفسيرات لتصرفاته، ولم يعد يختبئ خلف أعذار جاهزة.

ومع ذلك، لم أستعد ثقتي به فورًا.

كنت أحيانًا أتذكر صباح ذلك اليوم، حين رأيته يقف مع سارة والظرف بين يديهما، فيعود إليّ الألم من جديد. لم أكن أشك في حبه لي بقدر ما كنت أخشى أن أكتشف يومًا آخر أن هناك جزءًا من حياتنا لا أعرف عنه شيئًا.

وكان آدم يدرك أن اعتذاره لا يكفي، لذلك لم يطالبني بأن أنسى، ولم يتهمني بالمبالغة حين أحتاج إلى بعض الوقت.

وبعد نحو شهر، عاد إلى المنزل ذات مساء، وكانت ملامحه مختلفة. لم يخفِ هاتفه، ولم ينتظر حتى أسأله عن يومه. وضع حقيبته جانبًا، وجاء ليجلس أمامي.

قال بابتسامة متوترة:
«عندي خبر عايز أقوله لكِ».

نظرت إليه، فابتسم ابتسامة صغيرة وأكمل:
«اتقبلت في شغل جديد. الشركة أصغر من اللي كنت فيها، والمرتب أقل شوية، لكنهم وافقوا أبدأ الأسبوع الجاي».

للحظة، لم أعرف ماذا أقول.

ثم ابتسمت وقلت:
«مبروك يا آدم. أنا فرحانة لك».

أمسك بيدي وقال:
«كنت عايز أستنى لما أتأكد من كل حاجة، لكن افتكرت كلامك. مش عايز أرجع أخبي عنك أي حاجة، حتى لو الخبر لسه مش نهائي».

شعرت بشيء دافئ يتحرك داخلي، وكأن جدارًا صغيرًا من الجدران التي بنيناها بيننا بدأ ينهار.

قلت له:
«أنا فخورة بيك، مش عشان لقيت شغل وبس، لكن عشان المرة دي اخترت تشاركني الحقيقة من البداية».

لم تكن تلك الجملة إعلانًا بأن كل شيء عاد كما كان، لكنها كانت بداية مختلفة، بداية تقوم على أن نواجه الحياة معًا، لا أن يتظاهر أحدنا بالقوة حتى ينهار وحده.

وبعد أيام، ذهبت مع سارة لزيارة أمي. كانت حالتها مستقرة، ورغم أنها لم تكن تعرف كل تفاصيل ما حدث بيننا، فإنها لاحظت أن شيئًا تغير في علاقتنا.

جلست بجوارها، وأمسكت بيدها، بينما جلست سارة على الجانب الآخر من السرير.

نظرت إلينا أمي بابتسامة هادئة وقالت:
«ربنا يخليكم لبعض. أهم حاجة إنكم تفضلوا سند لبعض، مهما الدنيا صعبت».

تبادلت النظرات مع سارة، وشعرت أن كلمات أمي البسيطة لامست جرحًا لم يلتئم تمامًا بعد.

فالعائلة لا تعني أن الجميع لا يخطئ، ولا أن الحب يمنحنا الحق في إخفاء الحقيقة عن بعضنا. العائلة الحقيقية هي أن نجد من نلجأ إليه عندما نخاف، ومن يسمعنا عندما نعجز عن الكلام، ومن يمنحنا فرصة لإصلاح أخطائنا دون أن يطلب منا أن نتظاهر بأن شيئًا لم يحدث.

أما آدم، فقد تعلم أن يكون زوجًا حقيقيًا، لا رجلًا يحاول إقناعي بأنه لا يواجه أي مشكلة. لم يكن عليه أن يكون شخصًا لا يخسر وظيفته، ولا إنسانًا لا يتعثر أبدًا. كان عليه فقط أن يفهم أن الزواج ليس اختبارًا للقوة، بل شراكة تسمح لكل طرف بأن يكون ضعيفًا أحيانًا، دون أن يخشى فقدان حب الآخر.

وأنا تعلمت بدوري أن مسامحة من نحب لا تعني أن نتجاهل ما حدث، وأن منح فرصة جديدة لا يعني التنازل عن حقنا في الصراحة والاحترام.

بعد مرور عدة أشهر، لم تعد حياتنا مثالية، لكنها أصبحت أكثر صدقًا. كانت هناك أيام صعبة، ومصاريف تقلقنا، وخلافات نحتاج إلى حلها، لكننا لم نعد نواجهها خلف أبواب مغلقة، كل منا يحمل همومه وحده.

وفي إحدى الليالي، كنت أجلس بجوار آدم في شرفتنا الصغيرة، نحتسي الشاي ونتحدث عن خططنا للشهور القادمة. نظر إليّ فجأة وسألني:

«لسه زعلانة مني؟»

تأملت وجهه للحظة، ثم قلت:
«في حاجات لسه بتوجعني لما أفتكرها. بس أنا مش عايزة أفضل أسيرة للي حصل. أنا اخترت أدي علاقتنا فرصة، وإنت عليك إنك تحافظ عليها».

شدّ على يدي وقال:
«هحاول كل يوم أكون قد الفرصة دي».

ابتسمت، ثم أعدت نظري إلى السماء.

لم أكن أعرف ما الذي تخبئه لنا الأيام، ولم أكن أملك ضمانًا بأننا لن نواجه أزمة أخرى. لكنني عرفت شيئًا واحدًا: لم أعد أحتاج إلى زوج لا يخطئ أبدًا، بل إلى زوج يملك الشجاعة ليخبرني عندما يخطئ.

فالحب لا يعني ألا نخفي شيئًا لأننا لا نملك أسرارًا، بل لأننا نثق أن الحقيقة، مهما كانت مؤلمة، أرحم من كذبة تجعل أقرب الناس إلينا غرباء.

وفي النهاية، لم تكن خسارة آدم لوظيفته هي الأزمة الأكبر في حياتنا، ولم يكن مساعدته لأختي هي المشكلة الحقيقية. كانت المشكلة أنه ظن أن حمايتي تعني إبعادي عن الحقيقة.

لكنه تعلم، وتعلمت أنا أيضًا، أن الشراكة لا تُقاس بعدد السنوات التي عشناها معًا، بل بالطريقة التي نختار بها أن نواجه السنوات القادمة.

وهكذا أغلقت ذلك الفصل من حياتي، لا لأنني نسيت كل ما حدث، ولا لأن الجراح اختفت فجأة، بل لأنني قررت ألا أسمح للخوف بأن يكون أقوى من قدرتنا على البدء من جديد.

تمت.

You cannot copy content of this page